القاضي عبد الجبار الهمذاني

348

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في بيان حسن الضرر إذا قارنه الظن لنفع أو دفع ضرر يدل على ذلك أنا كما نعلم حسن إزالة الملك ببذل معجل ، فقد نعلم حسنه ببذل مؤجل ؛ وإن كان في الوجه الأول يحصل اليقين وفي الوجه الثاني لا يحصل سوى الظن . بل يعلم في أكثر ما نتصرف فيه من اجتلاب المنافع ودفع المضار أنهما يحسنان عند الظن للنفع ودفع المضرة حتى يدخل في ذلك طلب الأرباح بالتجارات والصناعات ؛ ويدخل فيه العلاجات فيما نفعل من تناول الكرية ، أو نجتنب من تناول اللذيذ . وكذلك تحمل المشقة في طلب العلوم والآداب والأمور الرفيعة . وكل ذلك يبين أن تحمل المضار يحسن عند ظن النفع ودفع المضرة . فإن قال : وكيف يجوز أن يحسن لأجل الظن وقد علمنا أنه كما يصدق « 1 » قد يكذب ، وكما تنكشف له حقيقة فقد يظهر أن لا حقيقة له . قيل له : إنا لم نقل إنه يحسن لأجل المظنون فيلزم ما قلته ، وإنما حكمنا بحسنه لأجل الظن وعنده ، ولا بدّ من أن يكون حاصلا فتكون له حقيقة . فإذا كان هو المعتبر في حسن ما يتحمله الظان من المشقة ، فسواء حصل مظنونه أم لم يحصل . فإن قال : لو كان الظن هو المعتبر ، لوجب أن يحسن عنده متى حصل وإن / ظن فيه نفعا ينقص عن المضرة . فلما علم أنه لا يحسن إلا إذا ظن نفعا موفيا عليه ودفع مضرة أعظم منه ، علم أن المعتبر في حسن ذلك بمظنونه لا به « 2 » . فيجب أن لا يحسن إلا إذا علم مظنونه ، وفي ذلك إبطال ما قلتم .

--> ( 1 ) أي الظن . ( 2 ) أي لا بالظن .